حمزة محسن يكتب: حلم الخلافة

 

منذ أن بدأت أبحث وأنا أتساءل.. ومنذ بدأت أتساءل وأنا أبحث.. فبين بحث وسؤال صرت أحيا.. أنبش وأفتِّش..

إلى نظرتنا لـ “الدولة الإسلامية” بدأت أكثِّف النظر.. إلى مفهوم بنائها وتكوينها.. إلى أبعاد حقيقتها.. إلى إمكان تطبيقها.. إلى الحلم وصدامه الطبيعي بالواقع؛ كونه بالأساس.. حلمًا!.

 

كنت أرى حلم الخلافة الراشدة على منهاج النبوة هدفًا وجب على كل ذي دين أن يرنو إليه وأن يجهد في طلبه؛ فهى المنصوص عليها في السنة والمأمور بتطبيقها في الآثار العديدة..

 

ولكن ماذا عن الواقع؟.. ماذا عن استحالة تكوين أية امبراطوريات توسعية بالمفهوم “التاريخي” للخلافة؟..

 

إذن هى بالتأكيد صورة أخرى؛ صورة عصرية تحقق مقصد الخلافة في وحدة المسلمين.. وحدة فيدرالية أو كونفيدرالية.. اجتماع بين الدول الإسلامية وراية تظلهم كالاتحاد الأوروبي مثلًا؛ علاقات اقتصادية وعملة واحدة، اتفاقيات دفاع مشترك، ومصالح متقاربة، ومقاربات لثقافات متجاورة.

 

لا بأس؛ ذاك توصيف معاصر لمفهوم “الخلافة” لا أمانع السعى مع الآخرين لتحكيمه، ولكن ماذا لو لم نكن أصلًا مأمورين بالسعى للحكم.. فالحكم ليس مطلوبًا لذاته!..

 

بمعنى أنه لو افترضنا جدلًا وجود دولة في غير أصقاع المسلمين.. دولة فيها الحكم بالعدل.. بالشورى.. الحرية فيها متاحة.. شعائر المسلمين تتم فى كل أوان.. مساحات من حرية الدعوة مكفولة لكل الأديان.. مقاصد الشريعة محققة أيما تحقق.. إذا افترضنا وجود تلك الدولة وكان على رأسها حاكم غير مسلم؛ هل وجب على المسلمين إزاحته وتنصيب مسلم لتكون الدولة إسلامية وتكون الشريعة مطبقة؟؟..

 

سؤال قد يرد عليه البعض بالإيجاب في غير تردد؛ فاستيفاء الشريعة لا يكون بغير بعض الأمور التي تتقاطع في إعمالها مع سلطان الدولة؛ كجمع الزكاة وتطبيق الحدود وتسيير الجيوش..

 

اممم.. إذن لو تابعنا الافتراض في تلك الدولة بوجود مؤسسات لجمع الزكاة، وتدرجنا مع مجتمع تلك الدولة لإعمال الحدود في صورة قوانين ملزمة، وأدركنا أن العالم دار دعوة وليس دار حرب، وأدركنا أن “وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين”؛ فكانت مَهَمَّة  الجيوش محصورة في “جهاد الدفع”، وتسييرها قائم بفعل مؤسسات تلك الدولة…

 

لو تابعنا الافتراض في تلك الدولة؛ هل “وجب” على مسلميها السعى للحكم فيها؟؟.. هل هو واجب لذاته إذًا؟!!..

 

بعيدًا عن المغالين الأصوليين المتشددين وبعيدًا أيضًا عن المفرطين المعطلين لنصوص الدين…

 

ففي المدرسة “الوسطية” التي ترى التدرج منهاجًا لتحقيق الأهداف؛ داخل ذات المدرسة سترى تباينًا في الآراء؛ فبين موجب للسعى للحكم لذاته (فهو المنصوص عليه في آيات الحاكمية)، وبين موجب للسعى للحكم لغيره (فالشريعة إقامتها واجبة ومالا يتم الواجب إلا به فهو واجب) -وهم ممثلو التيار التقليدي داخل صفوف الإسلاميين- ..

أما عن الصنف الأخير الذي أطلقت عليهم “شيريل بينارد” في كتابها “الإسلام الديمقراطي المدني” اسم “الحداثيين”؛  فأطروحتهم في قضية “الدولة الإسلامية” كانت جديدة علىَّ، ومغايرة تمامًا لسابق قناعاتي.. أطروحة تبنَّاها إسلاميو المغرب العربي.. أطروحة تستحق التأمل والدراسة العميقة..

 

كانت أطروحة “سعد الدين العثماني” في ورقته البحثية: “الدولة الإسلامية: المفهوم والإمكان” صادمة للغاية؛ ولكن لأني اعتدت الصدمات في الفترة الأخيرة؛ فقد أخذت أتباحثها مع آخرين ممن شغلهم الأمر..

 

  فالرجل -ذلك المتخصص في الشريعة ورئيس الحكومة المغربية الحالي- كان ينفي من الأصل فكرة وجوب السعى لبناء “دولة إسلامية”؛ فدولة “المواطنة” عنده هى الأساس.. الجميع متساوون في الحقوق والواجبات، و”الكفاءة” هى المعيار الأساس في اختيار الحكام؛ فتقوى الحاكم وصلاحه -وإسلامه- إنما عوائد فضلها على شخصه، ومقاصد الشريعة -من حفظ النفس والدين والعقل والمال والعِرض والنسل ومن حرية وعدل وشورى….- متى تحققت فتلك هى “الدولة الإسلامية” وإن كانت الراية غير!..

 

كانت أطروحته صادمة جدًا لي؛ فهى تصطدم تمامًا بتصور الإمام “البنا” ومركزية الحكم في مخيلته.. ولكن لأني لم أعد منغلقًا على فكر بعينه؛ فقد صرت أتابع البحث فيها.

 

كانت الأطروحة تستند إلى قواعد عدة؛ كان من أهمها:

أن السياسة أولًا هى ما يكون الناس أقرب به إلى الصلاح..

 

وهى من أمور “العاديات” التي فيها “كل شىء” مباح مالم يصطدم بنص قطعي الثبوت والدلالة؛ بعكس “العبادات” التي هى بطبيعة حالها توقيفية..

 

وهى أمر مفوض للاجتهاد البشري باختلاف الأزمنة والأماكن..

 

والأصل في السياسة هو السعى نحو تحقيق الحِكَم والمقاصد..

 

كانت أطروحته أيضًا ترى أن تصرفات النبى محمد -صلى الله عليه وسلم- السياسية؛ إنما هى دنيوية اجتهادية..

 

كنا نتدارس تلك الورقة البحثية بعد أن جزَّأناها إلى مقاطع من مصادر مختلفة.. نبحث في كتب “القرضاوي”: “السياسة الشرعية”، “من فقه الدولة في الإسلام”، “الدين والسياسة”؛ لنقارن الأطروحة بكلامه.. كنا نستعين أيضًا بكتاب “الحرية أو الطوفان” ل”حاكم المطيري”.. ونعاود النظر..

 

كانت آفاق البحث في المسألة تتسع أكثر وأكثر.. كان ل”جاسم سلطان” في ذات الشأن محاضرات متنوعة، وجزء كبير من كتابه الأخير “أزمة التنظيمات الإسلامية – الإخوان نموذجًا”..

 

أخذت أقرأ حينًا في كتاب “أفعال الرسول ودلالتها على الأحكام الشرعية” ل”محمد الأشقر”؛ لأميِّز الفروق بين أفعاله -صلى الله عليه وسلم- المجردة والجبلية والعادية والمعجزة والخاصة والدنيوية والامتثالية والمؤقتة لانتظار الوحي والمتعدية….

 

كانت أطروحات الورقة البحثية محل الدراسة تتفق مع مصادر بحثنا حينًا وتختلف أحيانًا وتتفرد بأمور أخرى..

 

كانت الأطروحة الجديدة تستند أيضًا إلى التمييز بين الأمة السياسية والأمة الدينية..

 

كانت تحاول التمييز بين المبادىء السياسية في الإسلام وبين أشكال تطبيقها عبر التاريخ..

 

كانت في الأخير تناقش مفهوم الدولة في الفكر السياسي المعاصر وتطرح علاقة الدولة الإسلامية بالأمة الإسلامية.. لتختتم بالحديث عن الدولة الإسلامية والخلافة فتقول: “وهكذا فإن “الخلافة” في الكتابات السياسية ليست “نظامًا سياسيًا” محددًا وليست نموذجًا شرعيًا للحُكم السياسي، بل كانت تجربة تاريخية وممارسة بشرية. وقد رأينا بأن أى تجربة سياسية في التاريخ الإسلامي لا تعتبر نظامًا نموذجيًا يُقاس عليه إلا على المستويين القيَمي والأخلاقي، وليست مقارباته ولا مصطلحاته جزءًا من الشرع أو من الدين. وهذا أساس منهجي يجعل المسلمين ويُبقي مجتمعاتهم مفتوحة للإبداع وللاستفادة من التجربة البشرية. وهو الأليق بدين الإسلام الذي أتى للعالمين، وللبشرية كلها، فيمتنع أن يفرض نمطًا واحدًا جامدًا للدولة وللممارسة السياسية”.

 

قرأت بعدها كتاب “مأزق الدولة بين الإسلاميين والعلمانيين” لمجموعة من الباحثين من أبرزهم “الغنوشي” و”العثماني”.. كان الكتاب مفيدًا جدًا لي في تأصيل الكثير من أطروحات الدراسة.. ولتختمر في ذهني أفكارها، ولأستزيد من معرفة اجتهادات أناس فتحت تجاربهم الوليدة في أفقي بصيصًا من الأمل في مستقبل.

 

حمزة محسن 

مدون مصري

 

المقال الأول: متساقط أنا
المقال الثاني: القواعد من الرجال

المقال الثالث: زحل ٢٠٤٠

المقال الرابع: كالميت بين يدي مُغسلِه !

المقال الخامس: الانقلاب يترنح!

المقال السادس: ورأى الإمام و”لموأخذه” نائبه!

المقال السابع: ساندوتشات المؤسسية !

المقال الثامن: ويليام والاس

المقال التاسع: أنا إيه اللي جابني هنا؟!

المقال العاشر: تكليف من إخواننا

المقال الحادي عشر: واجب الوقت

المقال الثاني عشر: نحن أصحاب رسول الله

المقال الثالث عشر: بشريات النصر !

المقال الرابع عشر: حرب أهلية!

المقال الخامس عشر: المواطنة

المقال السادس عشر: الحق المطلق


اقرأ على مصر العربية

تعليقات فيس بوك

شاهد أيضاً

المصري يبحث عن المربع الذهبي أمام الاتحاد

يلتقي فريقا المصري والاتحاد، في العاشرة مساء اليوم الجمعة، على ملعب برج العرب ضمن مباريات الجولة 32 …

Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com