ساسة بوست : أحمد نبيل يكتب: ديمقراطية المقاومة

لطالما ارتبطت كلمة الديمقراطية بالأحزاب السياسية التي تتنافس لبلوغ السلطة، والتي يتم اختيارها ديمقراطيًا من قبل الشعب، وذلك بناء على النظام الانتخابي الذي تتبناه مؤسسات الدول على اختلافها، ولكن حقيقة نحن لدينا سبل أخرى.

ولكن الشعب الفلسطيني الذي يكتوي بنيران الاحتلال الإسرائيلي لأرضه ومقدراته منذ منتصف القرن السابق أو يزيد، لم يجد ممثلاً، أو قوةً تمثله أفضل من بندقية المقاومة، والتي كانت ندًا لعدوٍ لم يرقب في الفلسطينيين شفقةً ولا رحمة، بل ارتكب مئات المجازر بحقهم، الشعب الفلسطيني أدرك بوعيه السياسي الفريد، ومن خلال معايشته للواقع أن عدوه لا يأبه إلا للقوة التي جعلته مرارًا يتنازل عند شروطها.

تعددت أشكال المقاومة وتوجهاتها الفكرية عبر السنوات الماضية، ولكن ما قدمته مقاومة غزة عبر السنوات السابقة كان ملفتًا، ومقلقًا للكيان والمرجفين من أتباعه وحلفائه، إذ أدركوا مؤخرًا أن عقيدة المقاومة الصلبة في غزة تشكل خطرًا حقيقيًّا على وجودهم، وتداركوا بأن المواجهة من خلال البندقية لم تعد مجدية بالنسبة لهم، إذ إن رجال غزة لا يأبهون لقصف طائراتهم ولا أزيز رصاصهم، ولا دوي مدافعهم، فتوحدت الأحزاب حول غزة وبدأوا فصلاً جديدًا من الحصار الذي يعولون عليه أن يأتي بثماره هذه المرة، وهو الذي تقوم عليه قوى عربية وفلسطينية.

حصار ليس كأي حصار، بدأ من خلال ممارسات السلطة في رام الله باقتطاع جزء من مخصصات رواتب موظفي غزة، ومن ثم العمل على الضغط من خلال منع دخول المستلزمات الطبية الضرورية لحياة المرضى في المستشفيات لتتراكم المعاناة، وليزيدنا رئيس السلطة من الشعر بيتًا عندما طلب من الاحتلال قطع إمداد الكهرباء المخصصة لقطاع غزة، ليتحمل بذلك المواطن مزيدًا من الضغوط الموجهة نحوه منذ سنوات، ليعيش بجانب فاقة الحياة مرها وقسوتها التي يصنعها له أقرب الناس إليه، وبعدها ليبدأ اليوم حجب مجموعة من المواقع الإخبارية المقربة من المقاومة ليؤكد على الليبرالية العربية المعششة في دماغه.

الواقع العربي لم يكن أفضل بكثير مما كان عليه حال أبناء البلد، فالتضييق من خلال إغلاق المعبر الوحيد مع جمهورية مصر بحجة الدواعي الأمنية في سيناء ومحاربة الإرهاب، زاد من وطأة الأمر على من يرتبطون بمصالح خارجية أو يريدون السفر للخارج من أجل العلاج أو التعليم أو العمل، فالمعبر لا يفتح خلال السنة الكاملة سوى أيام معدودة.

تطور الموقف العربي إبان إعلان بعض الدول محاربتها ومقاطعتها دولة قطر، حيث أدلى وزير الخارجية السعودية بما في دلوه من الأخبار التي تكلح لها الوجوه؛ حيث طالب قطر مقاطعة حماس كأحد الشروط المطلوبة من أجل عودة العلاقات معها، في موقف متطور من دولة عربية تحتضن في أكنافها منبع الشريعة الإسلامية، وأرضها تنَزل عليها وحي السماء الذي دعا للذود عن المسلمين والجهاد في سبيل الله، ليصف حركة المقاومة الإسلامية حماس بالإرهاب، ويطالب بطرد قادة المقاومة من قطر، هذا الموقف الذي لم يكن منتظرًا أن يكون من المملكة التي كان الأجدر بها أن تساند أهل فلسطين على ما تعودوا منها من حسن المعاملة والمؤازرة.

قطر التي دأبت عبر السنوات السابقة بث الحياة في أزقة القطاع، من خلال تمويلها لمشاريع إنسانية كانت خير عون لشباب غزة الذين سئموا البطالة، فعملوا من خلال الفرص التي أتاحتها قطر، وللفقراء الذين يتكففون الناس لا يجدون مأوى، فكانت مدينة حمد درعهم الواقي من حر الصيف وبرد الشتاء القارس، وشوارع المدينة التي أضحت أكثر جمالاً واتساعًا، وقطر تدعم الإعمار إبان الحرب الصهيونية عام 2014، وقطر تلزم نفسها بدفع ضريبة الوقود للسلطة التي لم تريق ماء وجهها دريهمات قطر، وما تزال تدعم وتدعم، قطر داعمة لكل الشعب الفلسطيني وليست تستهدف فصيلاً أو جهة معينة، وإن بدا التقارب موجودًا، فلا يلغي سياسة دولة قطر المحايدة.

لتجد المقاومة نفسها أمام ديمقراطية جديدة يجب عليها فيها أن تتوخى الحذر لدى أي تصريح تدلي به، وأن تعود لتضع يدها في يد عدو الأمس الذي يريد أن يجد لنفسه مكانًا من جديد داخل أروقة السياسة الفلسطينية، بعدما تنكر له بعض من أبناء حزبه، والشعب المغلوب على أمره بين هذا وذاك يبحث في طيات انفراجة ليعود يتنفس من خلالها الصعداء، وليعيش ضمن حدود أدنى المستويات الإنسانية التي يتطلبها أي إنسان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست


اقرأ على ساسة بوست

تعليقات فيس بوك

شاهد أيضاً

العربي الجديد : مانيفيستو اللجوء… الكارثة حول العالم في أرقام

مانيفيستو اللجوء… الكارثة حول العالم في أرقام المهاجرون الهاربون من ديارهم أكبر كوارث …

Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com