ساسة بوست : محمد جودة يكتب: التعليم والعنصرية وأشياء أخرى

التنوع والاختلاف أمر مفروغ منه، وسنة كونية فشلت في تغيرها النظرية الشيوعية. واستطاعت مذاهب فكرية ودينية أخرى في تطويعه. ويختلف كل مذهب عن مثيله في كيفية تعاطيه مع الاختلاف. هذه المقدمة ضرورية لفهم أن التباين مستحيل نفيه، وأنه في الأساس حكمة لعمران الكون. وكما في الأثر «كل ميسر لما خلق له».

أثناء أحد الإضرابات العمالية وبصفتي متخصص في إدارة المورد البشري، فكنت أتعامل مع هذا الإضراب من زاويتي المهنية، وجدت هجومًا عليّ من المهندسين، وتساؤل كيف يكون راتبي أنا خريج تجارة أعلى من راتبهم هم خريجي هندسة وعلوم؟ السؤال في حد ذاته مشروع، وكنا ونحن طلبة نتساءل كيف يكون راتب عامل أعلى من إداري، وأمين خزانة أعلى من محاسب.

أتذكر في إحدى المرات عندما كنت في سنتي الجامعية الأولى أن قابلت زميلًا لي دخل كلية عسكرية فصافحته، ولكني لاحظت ردوده المتعالية فأنهيت محادثتي معه، وكان هذا آخر عهد كلامي معه لأني لم أتقبل الفكرة التي زرعوها فيهم في الكلية العسكرية «إنت أرجل من صاحبك الخ** اللي قاعد جمب صاحبته في المدرج». والتي علمتها من أحد أقاربنا ثم سمعتها بنفسي حين خدمت في الجيش بصيغة أخرى.

تذكرت هذه الجملة وأنا أقف مع المهندسين. الحق أني رددت الرد المناسب كمسؤول وممثل للشركة، وبما يحفظ كرامتي كخريج تجارة، ولكن هذه العبارة علقت في نفسي وألمتني لا لأنها وجهت بتعالي لي ولقطاع كبير، ولكن لأنني أحسست فيها بالطبقية البغيضة لنفسي. كل فئة تقوم بتعليم أولادها أنهم أفضل فئة ولولاهم لخربت الدنيا وتوقفت. كل فئة تزرع في ابنها هذا الإحساس العنصري بالتعالي أو الدونية حسب موقعها من الهرم الوهمي.

الطالب في المدرسة التجريبي ينظر بحسد للغات، واللغات ينظر للأمريكية بحسد، وطالب البريتيش ينظر لكل هؤلاء بتعالٍ، أما طالب المدرسة الأميرية فيحمل كل هؤلاء على كاهليه مع شنطة كتبه التي تقصف الجسد والعقل والنفس، وينظر لنفسه ولأهله نظرة دونية.

وإذا ما نظرنا في الجامعات نجد مهندسي العمارة ينظرون للمدني نظرة دونية، والذي بدوره ينظر لمهندسي المواقع نظرة عبيد الأرض، في حين ترى كل خريجي هندسة تتلمظ من خريجي نظم معلومات الذين يتمسحون في نقابتهم العتيدة التي وضعت تحت الحراسة لعقد وأكثر ولم يحررها إلا ثورة يناير.

هذه الثورة التي حررت في طريقها الكثير، وفشل في أن تحرر العديد من التابوهات المجتمعية، ومن أهمها التربية والتعليم والتي من أول مبادئها تقبل النفس واحترام الآخر، وهي أمور مفتقدة تمامًا في مناهجنا التربوية القولية والفعلية والتقريرية، سواء على الجانب المؤسسي الحكومي، أو على الجانب الفردي في الأسرة التي يرى فيها الأب المهندس دخول ابنه كلية المساخيط «الآثار» شذوذًا على الدرب، وسبة ستظل عالقة على حائط شرف العائلة.

التربية والتعليم هما الركنان الرئيسيان في نهضة الأمم الحديثة بدءًا بمحمد علي الذي اهتم بالتعليم الفني قبل مدارس الأفندية، مرورًا بمهاتير محمد وموتسو هيتو، ولا تنتهي تجارب الإصلاح التي لا ترتكن لشيء ارتكانها للتربية والتعليم. التعليم المصري الذي لم يعد يحتكم على نظريات علمية حديثة، ولا على أسس تربوية سليمة، فبين تغليب النفس وتحقير الآخر وبين نظرة الأهل وتقسيم الناس إلى «إليت وميديوكر وبيئة».

الأثر الواضح والجلي هو أن الجميع يستنكف من الجميع وترى كل فئة أعلى من أن يعمل تحت الآخر. وفي قصة بابل في العهد القديم حينما أراد الرب أن يعرقل عمل البشر وإنجازهم لبناء البرج، قام ببلبلة ألسنتهم حتى لا يستطيعوا أن يفهموا بعضهم البعض، ولا يتعاونوا ولا يبنوا هذا الصرح العظيم.

الزبدة تأتي في كلمة قالها لي رفيق ميدان لا أعرفه: «كلنا بنتنطط على بعض رغم إننا كلنا لا مؤاخذة صراصير في نفس البلاعة».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست


اقرأ على ساسة بوست

تعليقات فيس بوك

شاهد أيضاً

كلمتي: بتروجت يعترض رسميا على تأجيل مباراته أمام الزمالك  ##الزمالك

اعترض مجلس إدارة بتروجت، على تأجيل مباراة الفريق أمام الزمالك، الذي كان مقرراً لها الأحد، …

Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com