ساسة بوست : اللاجئون الأفغان في باكستان.. إعادة قسرية إلى الحرب والفقر

«ليست أفغانستان سوى مكان ولادتي ولطالما اعتبرت باكستان وطني«، هذه الجملة الإعلامية الأولى التي رافقت الصورة الجديدة للاجئة الأفغانية «شربات غولا» الشهيرة بـ«موناليزا الحرب الأفغانية».

غولا كانت واحدة من بين 2.5 مليون لاجئ أفغاني يقيمون في باكستان منذ الغزو السوفيتي لأفغانستان العام 1979م، لكنها احتجزت واتهمت بالإقامة غير الشرعية وأعيدت قسريًا إلى بلادها مؤخرًا، وهو مصير ينتظر الأفغان في باكستان، تلك الجارة التي عرفت بأنها الدولة التي تستضيف أكبر عدد من اللاجئين لأطول فترات في العالم، فاليوم لا تكف الشرطة الباكستانية عن مضايقة الأفغان لإجبارهم على العودة إلى بلادهم حيث الحرب والفقر والشتاء القارس الذي هربوا منه.

«موناليزا الحرب الأفغانية»

ما تزال الصورة الفوتوغرافية التي التقطها المصور ستيف مكوري لفتاة أفغانية ذات عينين خضراوين حزينتين تقبع تحت حكم الاتحاد السوفيتي ووضعتها مجلة «ناشونال جيوغرافيك» غلافًا لعام 1985م عالقة في ذاكرة الكثيرين.

غولا التي أصبحت الآن في الخامسة والأربعين من العمر احتجزت من منزلها في مدينة بيشاور شمال غربي باكستان لأنها لاجئة أفغانية مخالفة لشروط الإقامة في باكستان، ثم وضعت في السجن 15 يومًا بتهمة الإقامة غير الشرعية، لتعود مع آلاف الأفغان الذين أعادتهم الحكومة الباكستانية إلى بلادهم، اقتادوها بصحبة أطفالها الأربعة إلى أفغانستان.

أعاد مكوري تصوير غولا بعد أخذ الإذن من زوجها الخباز «رامات غول»، وحين رأي وجهها بعد رفع النقاب قال إنه: «ما يزال يعكس تجارب وصعاب عقدين من الصراع شهدها بلدها»، وتعكس حكاية غولا اليأس الذي يعيشه اللاجئون الأفغان في باكستان، فمن لم يعد منهم حتى الآن إلى أفغانستان هو مهدد بالعودة الإجبارية إلى بلاد فقيرة اقتصاديًا وغير مستقرة سياسيًا، إضافة لأنها لا تزال تشهد معارك.

اللجوء الأفغاني والضيافة الباكستانية

كان استقبال باكستان للاجئين الأفغان في أواخر سبعينيات القرن الماضي محط إعجاب الكثيرين، فقد استقبلت هذه الجارة اللاجئين الهاربين من حرب منهكة قائمة منذ ثلاثة عقود بكل ود، وكانت الدولة الأكثر عطاءً، وسمحت لهم بالاندماج مع السكان المحليين، ولم تضعهم في مخيمات لجوء كما حدث معهم في إيران على سبيل المثال، بل لم يكن هؤلاء بحاجة إلى جوازات سفر أو تأشيرات لعبور الحدود وزيارة أقاربهم حتى وقت قريب.

كان أغلب هؤلاء اللاجئين ينتمون إلى عرق البشتون وهو ما سهل اندماجهم مع البشتون الباكستانيين، ولا يستثنى من الحديث حرص باكستان على التأكيد لهؤلاء أن الهوية الإسلامية هي أساس للمقاومة وليس الهوية الوطنية الأفغانية، حتى توسع نطاق تأثيرها على أفغانستان.

تغيرت الأمور كلية، واتخذت باكستان قرارًا حاسمًا في ديسمبر (كانون الأول) عام 2015 بتحديد مدة ستة أشهر لمغادرة اللاجئين الأفغان للبلاد، ثم مددت المدة ستة أشهر أخرى في يونيو (حزيران). ربط هذا الحدث بأعقاب الاشتباكات التي وقعت على الحدود المتنازع عليها والتي تمتد 2600 كيلومتر بين القوات الأفغانية والقوات الباكستانية في يونيو (حزيران)، ثم مددت حق البقاء في البلاد حتى ديسمبر (كانون الأول) 2016م.

وتصر باكستان على إعادة كل اللاجئين الأفغان الذين يقدر عددهم بـ 2.5 مليون كونهم «أصبحوا عبئا لا يحتمل على الاقتصاد»، وأخذت تطالب كل أفغاني على أراضيها بوثائق، فمن بين هؤلاء يوجد قرابة مليون لاجئ لا يحملون وثائق، لأن الحكومة الباكستانية أوقفت تسجيل اللاجئين في العام 2007م، وبالتالي فالذين وصلوا بعد ذلك لا يمتلكون بطاقات إثبات الإقامة، كما لم يتمكن الآخرون، الحاصلون على هذه البطاقات من تمديدها.

مضايقات وعمليات إجلاء قسري

زاد عدد اللاجئين الأفغان الذين عادوا إلى ديارهم من باكستان خلال شهر واحد خمسة أمثال، وذلك بسبب المضايقات والإجراءات المشددة التي تعرضوا لها من الحكومة الباكستانية، هذه المعلومات أكدتها المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة وذكرت أنها كانت بين شهري أغسطس (آب) ويوليو (تموز) الماضيين.

لقد صعدت باكستان وقوات أمنها من حملات التخويف والمضايقة تجاه اللاجئين الأفغان، لدفعهم للعودة لأفغانستان التي تتفاقم فيها الحرب، هذه الحرب التي أسقطت الكثير من الضحايا فضلها الكثير من الأفغان على البقاء في باكستان الآمنة التي يتعرضون فيها لعداء وابتزاز متنام.

فبينما تطلب الشرطة الباكستانية الرشاوى بشكل متزايد من اللاجئين حتى لا تصادر بطاقاتهم وترحلهم، انتشرت حملة كراهية تستهدفهم في وسائل الإعلام الباكستانية وشبكات التواصل الاجتماعي، خاصة بعد هجوم ديسمبر (كانون الأول) في بيشاور على مدرسة عسكرية حكومية، ويعتبر اللاجئون الأفغان الذين لا يحملون وثائق، أكثر عُرضة للإساءة والضغط بهدف المغادرة، وقد حذرت المنظمة الدولية للهجرة من أن هناك «أعدادًا غير مسبوقة من الأفغان يفرون بسبب تزايد حوادث العنف والاعتقال التعسفي والاحتجاز وغيرها من أشكال المضايقات».

ويؤكد تقرير صدر عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) في 30 سبتمبر(أيلول) الماضي أن: «الزيادة التي طرأت على أعداد الأفغان العائدين مدفوعة بتزايد حوادث الاحتجاز، وعمليات الإجلاء القسري، ومداهمات الشرطة ومضايقاتها»، وأضاف التقرير أن: «العديد من الأسر قد أجبرت على المغادرة بسرعة دون إتاحة وقت كاف لبيع الأصول بشكل صحيح، وغالبًا ما تصل على بلادها بقليل من الممتلكات».

ويعد واحدًا من أهم ما يقلق الأوروبيين هو توجه هؤلاء نحو أوروبا، فالعديد من الأفغان الذين يعيشون في المدن الكبرى أخذوا يتوجهون نحو طرق خطرة للوصول إلى أوروبا بسبب السياسة الباكستانية ورفضهم خيار العودة لبلادهم، فخلال الأرباع الثلاثة الأولى من عام 2016م ارتفع معدل رفض طالبي اللجوء الأفغان لدول أوروبية إلى 45 بالمائة.

المفوضية وبرنامج الإعادة إلى الوطن

عاد ما يقارب من 538.100 أفغاني إلى بلادهم منذ أواخر شهر يونيو (حزيران)، حسب ما ذكره المكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، وقد كان متوسط العودة إلى أفغانستان يصل إلى ما بين خمسة إلى ستة آلاف لاجئ يوميًا.

لتدارك الأوضاع، تدخلت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة بتنشيط برنامج العودة إلى الوطن –كان قد بدأ العام 2002-، مع بداية نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي وقدمت مبلغًا نقديًّا للعائدين مساعدة لهم، لكنها في مارس (آذار) الماضي علقت العمل بالبرنامج، ويعتبر قرار استئناف المنح النقدية بدعم اللاجئ الأفغاني بـ400 دولار شهريًا مساعد لباكستان في تحقيق هدفها بإجبار المزيد من اللاجئين مع اقتراب مهلة الترحيل ودفعهم بأعداد قياسية للمغادرة عبر الحدود لبلادهم التي مزقتها الحرب.

يعقب المسئول في منظمة «هيومن رايتس ووتش» جيري سيمبسون: «إذا استأنفت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين برنامج منحها النقدية في الأول من مارس (آذار) وأبقت باكستان على مهلة ترحيل اللاجئين المسجلين عند موعدها في 31 مارس (آذار) – أو مددتها بضعة أشهر قليلة فقط – فستصبح المفوضية متواطئة في عملية الإعادة القسرية بشكل جماعي…لأن اللاجئين المسجلين لن يجدوا أمامهم أي خيار سوى قبول النقود التي تقدمها الأمم المتحدة للعودة إلى الوطن (طوعًا) قبل أن تطردهم باكستان من دون أن يحصلوا على أي شيء»، مضيفًا: «يُحظر على باكستان، مثل جميع الدول الأخرى، الإعادة القسرية للاجئين المسجلين بأي شكل من الأشكال إلى بلدهم الأصلي، ومن ثم فقد ارتكبت بذلك عملية إعادة قسرية جماعية».

وردت المفوضية في بيانها على هذه الاتهامات بالقول: «عودة اللاجئين الأفغان المسجلين من باكستان إلى الوطن هي عملية إعادة في ظروف أقل مثالية، وهي نتيجة لعدد من العوامل. الأفغان الذين نراهم يقررون يوميًا العودة يتخذون قرارات صعبة للغاية وتبذل المفوضية قصارى جهدها من أجل مساعدتهم»، وتابعت: «نحن مستمرون في الدفاع عن حقوق اللاجئين الأفغان خلال فترة تواجدهم في باكستان والتدخل نيابة عنهم».

يذكر أن دخول الشتاء خاصة على اللاجئين الذين عادوا مؤخرًا ينذر بأزمة إنسانية طاحنة، فهم يعيشون بخيام وبحاجة لتوفير النقود والمؤن والأغطية، يقول منسق الطوارئ لمنظمة الهجرة الدولية في أفغانستان «نيكولاس أسقف»: «هناك قيود شديدة على الخدمات والمأوى والمياه والصرف الصحي والغذاء، الذي هو مصدر قلق كبير خاصة قبل حلول فصل الشتاء».


اقرأ على ساسة بوست

تعليقات فيس بوك

شاهد أيضاً

حرية بوست : جريدة حرية بوست | خالد على معلقا على الحكم ببراءة كمال خليل “بركاتك يارمزى ” ..اللى تسائله الداخلية تعرف “رمزى ” ويقول “لا” يطلع براءة

علق المحامى الحقوقى والناشط السياسى والمرشح المحتمل لرئاسة الجمهورية “خالد على “على الافراج عن …

Facebook Auto Publish Powered By : XYZScripts.com